منذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها
الخلية بالاستعداد للانقسام، تنطلق داخلها واحدة من أعظم العمليات الحيوية وأكثرها
دقة، وهي عملية مضاعفة المادة الوراثية أو الحمض النووي
DNA قد تبدو هذه العملية بسيطة ظاهرياً،
لكنها في الحقيقة تشبه نسخ مكتبة ضخمة تحتوي على ملايين التعليمات الدقيقة
المسؤولة عن شكل الإنسان وصفاته ووظائف أعضائه، وأي خطأ ولو كان صغيراً أثناء هذه
العملية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة تؤثر في حياة الكائن الحي بأكملها، لذلك تعمل
الخلية بنظام معقد يضمن نسخ المعلومات الوراثية بدقة متناهية قبل حدوث الانقسام.
تحتوي المادة الوراثية على الجينات التي تحمل الصفات الوراثية للكائن
الحي، كما أنها تتحكم في إنتاج البروتينات وتنظيم أنشطة الخلية المختلفة، كما أن
الحمض النووي DNA يتكون من وحدات دقيقة مرتبة بنظام محدد، وأن هذه الترتيبات مسؤولة عن
حفظ المعلومات الوراثية وانتقالها بين الأجيال، وعند حدوث عملية المضاعفة، تقوم
الخلية بإنتاج نسخة مطابقة تماماً من المادة الوراثية حتى تحصل كل خلية جديدة بعد
الانقسام على نفس المعلومات. ( انونيموس ، 2013 )
لكن ماذا يحدث إذا وقعت أخطاء أثناء عملية المضاعفة؟ هنا تبدأ
المشكلات الحقيقية، فقد تؤدي الأخطاء إلى حدوث طفرات جينية، وهي تغيرات تصيب ترتيب
القواعد النيتروجينية داخل الحمض النووي، أحياناً تكون هذه الطفرات بسيطة ولا تسبب
ضرراً واضحاً، إلا أن بعضها قد يؤدي إلى تغيرات خطيرة في وظائف الخلايا، فعلى سبيل
المثال قد يتم إنتاج بروتينات غير سليمة، مما يسبب اضطراباً في عمل الأعضاء أو فشل
بعض العمليات الحيوية داخل الجسم.
ومن النتائج المحتملة أيضاً لحدوث أخطاء في المضاعفة ظهور أمراض
وراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء، فإذا حدث الخلل في الخلايا الجنسية، فإن
الخطأ الوراثي قد ينتقل إلى الأجيال القادمة، مسبباً أمراضاً مزمنة أو تشوهات
خلقية، وهذا يوضح مدى أهمية الدقة في نسخ المادة الوراثية، لأن أي تغيير بسيط قد
يستمر تأثيره لسنوات طويلة داخل العائلة الواحدة. ( انونيموس ، 2013 )
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، بل قد تؤدي أخطاء المضاعفة إلى
الإصابة بالسرطان، فالخلية الطبيعية تنقسم وفق نظام دقيق تتحكم فيه الجينات، لكن
عند حدوث طفرات في الجينات المسؤولة عن تنظيم الانقسام، قد تبدأ الخلايا بالتكاثر
بشكل عشوائي وخارج عن السيطرة، وهنا تتكون الأورام السرطانية التي تعد من أخطر
الأمراض التي تواجه الإنسان، ولهذا تمتلك الخلايا أنظمة إصلاح دقيقة تعمل باستمرار
على اكتشاف الأخطاء وإصلاحها قبل أن تتفاقم. ( دوغلاس وآخرون ، 2018 )
وفي بعض الحالات قد تؤدي أخطاء المضاعفة إلى موت الخلية نفسها، فعندما
تكتشف الخلية أن المادة الوراثية تعرضت لضرر كبير لا يمكن إصلاحه، فإنها تقوم
بتفعيل ما يسمى بالموت المبرمج للخلية، وذلك لحماية الجسم من انتشار الخلايا
التالفة، ويمكن اعتبار هذه العملية وسيلة دفاعية ذكية تمنع انتقال الأخطاء إلى
الخلايا الأخرى.
ورغم خطورة الطفرات إلا أن بعضها قد يكون سبباً في التنوع الوراثي بين
الكائنات الحية، فالتغيرات البسيطة التي لا تسبب ضرراً قد تمنح بعض الكائنات صفات
جديدة تساعدها على التكيف مع البيئة، لذلك فإن الطفرات ليست دائماً سلبية، بل قد
تكون أحياناً جزءً من تطور الكائنات الحية عبر الزمن. ( البوريني ، 2018 )
وفي الختام تعد عملية مضاعفة المادة الوراثية من أكثر العمليات
الحيوية أهمية ودقة داخل الخلية، لأنها تضمن انتقال المعلومات الوراثية بصورة
صحيحة أثناء الانقسام، وأي خلل يحدث خلالها قد يؤدي إلى نتائج خطيرة مثل الطفرات
والأمراض الوراثية والسرطان أو حتى موت الخلايا، ومع ذلك فإن قدرة الخلية على
المراقبة والإصلاح تكشف عن عظمة النظام الحيوي الذي أوجده الله داخل أجسام
الكائنات الحية، لذلك فإن دراسة هذه العملية تساعد العلماء على فهم أسباب الكثير
من الأمراض وابتكار وسائل حديثة للعلاج والوقاية.
المراجع :
البوريني ، عاتكة . ( 2018 ) . قانون مندل الثاني . موقع موضوع . تم
الاسترجاع من الرابط
انونيموس ( 2013 ) . المادة الوراثية . موقع نجوم العلوم . تم
الاسترجاع من الرابط
https://starsssa.blogspot.com/2013/02/genetic-material.html
دوغلاس، م.، تشوي، ج.، وكلارك، م. أ. (2018). هيوستن، الولايات
المتحدة . رخصة الابداع المشاعي . تم الاسترجاع من الرابط
https://my.uopeople.edu/pluginfile.php/2148275/mod_book/chapter/627021/unit%204%20part%201.pdf