ad-cent ad-bot ad-h3-1 ad-top ad-cent ad-bot
📁 آخر الأخبار

الإنسان بين وهم الجبر وحقيقة الاختيار

 

منذ أن وعى الإنسان ذاته وهو يقف حائراً أمام لغز وجوده الأعظم: هل نحن حقاً سادة مصيرنا، أم أننا مجرد بيادق تحركها خيوط خفية في مسرحية كونية كتبت فصولها مسبقاً؟ هذا التساؤل الأزلي لم يترك باباً للفلسفة أو الدين إلا وطرقه، مثيراً جدلاً لا ينتهي بين العقل الذي ينشد الحرية والواقع الذي يفرض القيود، ومن قلب هذا الجدل، يبرز تساؤل آخر لا يقل إيلاماً: بما أن لهذا الكون خالق، فلماذا يترك الشر يعبث في أرجائه؟

 

الإنسان بين وهم الجبر وحقيقة الاختيار

عند النظر في قضية التخيير والتسيير، أجد نفسي أميل إلى الرأي القائل بأن الإنسان يمتلك مساحة واسعة من الإرادة الحرة، وهي المساحة التي تجعل منه كائناً أخلاقياً مسؤولاً، إن القول بالجبر المطلق أي أن الإنسان مسير بالكامل، هو قول يلغي جوهر الإنسانية ويحيلنا إلى جمادات، وقد حارب الفكر المستنير قديماً الخرافات التي حاولت سلب الإنسان إرادته وربط مصيره بحركات الكواكب والنجوم، حيث كان القدماء يعتقدون أن النجوم تتحكم في الأقدار. ( الطيبي ، 2024 )

لكن العلم الحديث، والفكر الديني حررا الإنسان من هذه التبعية العمياء، فقد أثبت العلم أن تلك الأجرام السماوية هي مجرد كتل مادية لها مساراتها، ولا علاقة لها بصناعة أقدار البشر أو التحكم في سعادتهم وشقائهم، بل إن المنجمين أنفسهم كانوا يجهلون حقائق الفلك البسيطة، هذا الادعاء لفكرة التنجيم هو في جوهره إثبات لحرية الإنسان، فإذا لم تكن النجوم هي التي تسيرنا وإذا لم تكن الأقدار مكتوبة في أبراج السماء، فإن المسؤولية تعود إلينا نحن.

علاوة على ذلك فإن التاريخ البشري، كما يرويه المؤرخون الكبار مثل، يؤكد أن حركة التاريخ ليست عبثية ولا ميكانيكية بحتة، بل هي سعي متواصل للإنسان نحو الكمال والارتقاء، إن امتلاك الإنسان للشخصية الإنسانية التي تميزه عن الآلة وعن باقي المخلوقات، هو الدليل الأكبر على حريته، مهما تطورت الصناعات ومهما امتلك الإنسان من قوة تكنولوجية فإن القيمة الحقيقية تكمن في الضمير الذي يختارهذه القدرة على الاختيار الأخلاقي هي جوهر الإرادة الحرة. ( الجنابي ، 2012 )

 

 

لغز الشر: لماذا يوجد الشر؟

ننتقل إلى الشق الثاني الشائك لماذا يوجد الشر؟ ولماذا يسمح به الخالق؟ من وجهة نظري، لا يمكن فهم الخير إلا بوجود نقيضه، إن الشر في هذا العالم ليس خطأً في التصميم، بل هو ضرورة لوجود الاختيار، لو خلقنا في عالم لا إمكانية فيه للشر، لما كنا أحراراً، بل كنا ملائكة مجبورين على الطاعة، أو روبوتات مبرمجة على فعل الصواب فقط، إن حرية الإرادة تقتضي بالضرورة القدرة على فعل النقيضين. ( موقع طريق الإسلام ، 2021 )


إن وجود الشر هو الاختبار الذي يصقل الروح الإنسانية، فالحضارات العظيمة لم تقم إلا استجابة لتحديات كبرى، والإنسان لا يرتقي في مدارج الكمال إلا بمغالبة الهوى ومقاومة الفساد، وكما يشير توينبي فإن التاريخ الإنساني هو طريق نحو الله ، وهذا الطريق مليء بالعقبات (الشرور) التي يتوجب علينا تجاوزها بإرادتنا الحرة.

 

أما بالنسبة للمؤمنين بوجود إله ، فإن السماح بوجود الشر لا يتنافى مع القدرة أو الرحمة، بل هو جزء من سنن التدافع، ففي الإسلام مثلاً التربية وتهذيب الشخصية يتطلبان تزويد الإنسان بقوى فكرية وروحية تمكنه من الاختيار، فالله منح الإنسان العقل والضمير، وترك له الساحة ليثبت جدارته بالخلافة في الأرض، الشر إذن هو الثمن الذي ندفعه مقابل نعمة الحرية العظمى. ( دواهده ، 2021 )

 

وفي الختام إن الإنسان كائن فريد، فهو مسير في قوانين جسده البيولوجية وفي مكان وزمان ولادته، ولكنه مخير بامتياز في استجاباته الأخلاقية وقراراته المصيرية، إن رفضنا للخرافات التي تربطنا بالنجوم ، وإيماننا بمسؤولية الضمير ، يؤكدان أننا نحمل الأمانة الثقيلة، أمانة الاختيار والشر الموجود في العالم، رغم قسوته هو المسرح الذي نمارس فيه هذه الحرية، لنثبت لأنفسنا وللخالق أننا نستحق شرف الوجود الإنساني، إنها ليست حرية سهلة لكنها الحرية التي تمنح الحياة معناها.

 




المراجع :

الطيبي ، حنان . ( 2025 ) . نجوم القدر : كيف شكل التنجيم مصائر الأمم وقرارات القادة عبر التاريخ . موقع إلاف . تم الاسترجاع من الرابط

https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2024/02/1529876.html

 

الجنابي ، إيمان . ( 2012 ) . علم التنجيم عبر العصور . موقع المجلة العربية . تم الاسترجاع من الرابط

https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=1924

 

موقع طريق الإسلام . ( 2021 ) . الحكمة من وجود الشر . تم الاسترجاع من الرابط

https://ar.islamway.net/article/84183/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1

 

دواهده ، عبد الله . ( 2021 ) . لماذا خلق الله الخير والشر . موقع موضوع . تم الاسترجاع من الرابط

https://mawdoo3.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7_%D8%AE%D9%84%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1

 

 

تعليقات



الاجتماعات المملة لا تضيف قيمة، بل تقتل الإنتاجية وتستهلك طاقة الفريق. إذا كنت تريد نتائج حقيقية، اجعل اجتماعاتك قصيرة، واضحة، وذات هدف محدد. ✨ لا تجتمع لمجرد الاجتماع، اجتمع لتحقق شيئاً! ⏳ كل دقيقة تُهدر في اجتماع غير ضروري هي دقيقة ضائعة من وقت العمل الفعّال. 🎯 حدد الهدف مسبقاً، التزم بالوقت، وركز على الحلول بدلاً من الجدل.