عندما بدأت هذا الأسبوع في دراسة الاتجاهات الفلسفية الثلاثة وهي (
البراغماتية، الوضعية، والواقعية ) كنت
أظن أنني سأتعامل مع أفكار نظرية بعيدة عن حياتي اليومية، ولكن ما حدث كان العكس
تماماً، وأكثر ما شد انتباهي هو مذهب البراغماتية، ذلك الاتجاه الذي بدا لي لأول
مرة وكأنه يجمع بين الفلسفة والحياة العملية في خط واحد، لم أتوقع أن تكون هناك
فلسفة كاملة تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة، وهي أن قيمة أي فكرة تتحدد بمدى
منفعتها، هذا الاكتشاف جعلني أعود بذاكرتي إلى مواقف كثيرة مررت بها دون أن أدرك
أنني كنت أتصرف بطريقة براغماتية بحتة.
أول ما فاجأني في البراغماتية هو أنها لا تهتم بالسؤال التقليدي: هل
الفكرة صحيحة؟ بل تسأل: هل هي مفيدة؟ وهل تعمل؟ وهذه النقطة وحدها جعلتني أعيد
التفكير في أسلوب تعاملي مع المشكلات، لطالما كنت من الأشخاص الذين يبحثون عن
التفسير الصحيح أو الطريقة الكاملة، لكن البراغماتية جعلتني أدرك أن الحل الذي
ينجح هو الحل الجيد، حتى لو لم يكن مثالياً. ( جعنيني ، 2004 )
وبحسب جعنيني ( 2004 ) أكيد أن البراغماتيين تعتمد على التجربة، وعلى
ضرورة اختبار الفكرة عملياً قبل الحكم عليها.
وهذا أعادني إلى موقف حدث لي قبل سنوات في عملي: كنا نناقش طريقة لحل
مشكلة تتعلق بتوزيع المهام، أمضينا اجتماعاً كاملاً نقارن بين النظريات الإدارية
ونبحث عن النموذج الأفضل، لكن أحد الزملاء قال جملة بسيطة غيرت مسار النقاش: دعونا
نجرب ونرى.
في ذلك الوقت لم أربط بين ما قاله وبين الفلسفة، لكن بعد دراستي لهذا
الأسبوع فهمت أن ما قاله يعكس روح البراغماتية تماماَ، النتيجة كانت أننا جربنا
الفكرة لمدة أسبوع، واكتشفنا أنها تنجح بشكل أفضل من الحلول النظرية التي كنا
نناقشها.
كما جعلتني البراغماتية أعيد النظر في فهمي لعدد من قضايا المجتمع،
كنت دائماً أعتقد أن النقاشات الفكرية يجب أن تعتمد على الأدلة والمبادئ، ولكن
الآن بدأت أطرح سؤالاً جديداً: ما الفائدة العملية لهذا الرأي؟
هذا السؤال وحده جعل كثيراً من الآراء، التي كنت أظنها قوية، تبدو هشة
لأنها تفتقد للجانب العملي، وفي المقابل بدت لي بعض الآراء التي كنت أعتبرها بسيطة
أكثر قوة لأنها فعالة على أرض الواقع.
ومن الجوانب التي أثرت بي أيضاَ هي أن البراغماتية تشجع على المرونة
الفكرية، فهي لا تطلب من الإنسان أن يلتزم بفكرة إلى الأبد، بل تدعوه إلى تعديل
أفكاره كلما تغيرت النتائج، هذا جعلني أفكر في مواقف ناقشت فيها أشخاصاَ دون أن
أغير رأيي، حتى عندما كانت النتائج على الأرض تقول إن طريقتهم أفضل، الآن أفهم أن
التمسك بالفكرة رغم فشلها هو عكس البراغماتية تماماَ. ( الخضري ، 2022 )
وفي الختام شعرت بأن البراغماتية لم تكن مجرد موضوع فلسفي، بل كانت
دعوة مفتوحة لإعادة ترتيب طريقة تفكيري، لقد اكتشفت أنني مارست بعض مبادئها دون أن
أعرف، لكن فهمها بوضوح أضاف لي زاوية جديدة أستطيع من خلالها النظر إلى مشكلات
العمل والحياة اليومية، وأكثر ما أعجبني في هذا الاتجاه هو أنه يمنحني حرية
التفكير دون قيود، ويذكرني بأن القيمة الحقيقية لأي فكرة لا تكمن في جمالها أو
مثاليتها، بل في قدرتها على العمل، ولهذا أشعر أن هذا الأسبوع لم يعلمني فلسفة
فقط، بل قدم لي أداة عملية أستطيع استخدامها كل يوم.
المراجع :
جعنيني ، نعيم . ( 2004 ) . الفلسفة وتطبيقاتها التربوية . عمان ،
الادرن : دار وائل للنشر والتوزيع . تم الاسترجاع من الرابط
https://platform.almanhal.com/Reader/Book/104129
الخضري ، خالد . ( 2022 ) . البرغماتية اجتماعياً . جريدة الرياض . تم
الاسترجاع من الرابط
https://www.alriyadh.com/1956193