هل
يمكن أن يموت الرسم؟ هذا السؤال الذي شغل النقاد في ستينيات وسبعينيات القرن
العشرين لم يكن مجرد مبالغة، بل كان نتيجة تحولات عميقة في مفهوم الفن نفسه، مع
ظهور اتجاهات جديدة مثل الفن المفاهيمي وفن الأداء، بدا وكأن اللوحة التقليدية
تفقد مكانتها أمام أشكال فنية تركز على الفكرة أكثر من الشكل، لكن هل اختفى الرسم
فعلاً؟ أم أنه أعاد تعريف نفسه ليبقى حياً في قلب الفن المعاصر؟
في
تلك الفترة ظهرت حركات فنية قلبت المفاهيم السائدة، من أبرزها الفن المفاهيمي الذي
جعل الفكرة هي جوهر العمل الفني، وليس الشكل أو المهارة التقنية، نرى ذلك بوضوح في
أعمال جوزيف كوزوث مثل عمله واحد وثلاثة كراسي، حيث لا تكمن قيمة العمل في الرسم
أو النحت، بل في التساؤل الفلسفي حول معنى الكرسي وتمثيله، هذا التحول جعل النقاد
يعتقدون أن الرسم، بوصفه ممارسة تقليدية، أصبح غير كافي للتعبير عن قضايا العصر. (
الرفاعي ، 2017 )
كما ساهمت
اتجاهات أخرى مثل فن الأداء في تقويض مركزية اللوحة، فبدلاً من العمل الثابت أصبح
الفن حدثاً حياً مرتبطاً بالجسد والزمن، إن هذه التحولات جاءت نتيجة تغيرات
اجتماعية وسياسية وتكنولوجية، حيث لم يعد الفن حبيس المعارض، بل انتقل إلى الشارع
والفضاءات العامة، هذا التوسع في الوسائط جعل الرسم يبدو للبعض وكأنه جزء من
الماضي. ( صادق ، 2012 )
ومع ذلك فإن
القول بموت الرسم يبدو مبالغاً فيه، فالتاريخ الفني يثبت أن الرسم يمتلك قدرة
فريدة على التكيف، حتى في ظل صعود الفن المفاهيمي لم يختفي الرسم، بل تغيرت وظيفته
لم يعد مجرد تمثيل بصري للواقع، بل أصبح وسيلة للتفكير والتجريب، على سبيل المثال
لو تأملنا أعمال بابلو بيكاسو مثل غيرنيكا، نجد أنها لم تكن مجرد لوحة، بل خطاب
بصري قوي يعبر عن مأساة الحرب، هذا النوع من الرسم ما زال حاضراً في الفن المعاصر
ولكن بروح جديدة. ( عقل ، 2025 )
علاوة على ذلك
فإن الفن المعاصر بطبيعته لا يلغي ما قبله بل يستوعبه ويعيد توظيفه، فالفنان
المعاصر قد يستخدم الرسم إلى جانب الفيديو أو التصوير بمعنى آخر لم يعد الرسم
الشكل الوحيد، لكنه أصبح جزءً من منظومة أوسع، وهذا يتماشى مع أن الفن المعاصر
يكسر القوالب ولا يتقيد بأسلوب واحد، بل يستخدم أي وسيلة مناسبة للتعبير . (
العموري ، 2016 )
بل يمكن القول
إن الرسم اكتسب حياة جديدة من خلال هذه التحديات، فبدلاً من أن يكون نشاطاً
تقليدياً، أصبح مجالاً للتجريب والابتكار، هناك فنانون معاصرون يعيدون استخدام
الرسم بطرق غير مألوفة، مثل دمجه مع الوسائط الرقمية أو تحويله إلى جزء من أعمال
تركيبية، وهكذا فإن ما بدا نهاية للرسم كان في الحقيقة بداية لمرحلة جديدة من
تطوره.
وفي
الختام فإن لم يمت الرسم بل تغير، لقد فقد احتكاره لمشهد الفن لكنه لم يفقد قيمته،
ما حدث في الستينيات والسبعينيات لم يكن إعلان وفاة، بل إعلان تحول، فالفن المعاصر
بتنوعه وانفتاحه أتاح للرسم أن يعيد تعريف نفسه ويستمر كوسيلة تعبير قوية، وربما
تكمن قوة الرسم الحقيقية في هذه القدرة على البقاء، ليس رغم التغيرات، بل بفضلها.
المراجع :
الرفاعي ، هدى .
( 2017 ) . الفن المفاهيمي . ملف PDF . تم الاسترجاع من الرابط
https://my.uopeople.edu/pluginfile.php/2120492/mod_book/chapter/614333/%28CONCEPTUAL%20ART%29.pdf
صادق ، مها . (
2012 ) . الفرق بين الفن الحديث والفن المعاصر . ملف PDF . تم
الاسترجاع من الرابط
عقل ، رؤى . (
2025 ) . حكاية لوحة عرنيكا شهادة بيكاسو على فظائع الحرب الأهلية الاسبانية .
موقع اندابيندينت عربية . تم الاسترجاع من الرابط
العموري ، مازن
. ( 2016 ) . خلاصة الفنون المعاصرة . موقع ثقافات . تم الاسترجاع من الرابط
https://thaqafat.com/2016/09/65107