في أعماق كل خلية داخل جسم الإنسان تحدث عملية مذهلة تشبه إلى حد كبير
عمل مصنع دقيق لا يتوقف أبداً، ففي داخل النواة تحفظ الشفرة الوراثية التي تحمل
التعليمات الخاصة ببناء الجسم وتنظيم وظائفه، لكن هذه التعليمات لا تبقى مجرد رموز
صامتة، بل تتحول إلى بروتينات تقوم بكل الأعمال الحيوية تقريباً، فالبروتينات هي
المسؤولة عن بناء العضلات والجلد، ونقل المواد داخل الجسم، والدفاع ضد الأمراض
وحتى تنظيم التفاعلات الكيميائية.
وهنا يبرز السؤال المهم: كيف تتمكن الخلية من ترجمة هذه الشفرة
الوراثية وتحويلها إلى بروتينات تعمل بدقة مذهلة؟
بحسب بروس وآخرون ( 2002 ) تبدأ
العملية داخل نواة الخلية حيث يوجد الحمض النووي
DNA الذي يحتوي على الجينات، كما أن
الجينات تحمل المعلومات الوراثية التي تحدد الصفات المختلفة للكائن الحي، وأن هذه
المعلومات تنتقل من خلال ترتيب معين للقواعد النيتروجينية داخل الحمض النووي، ولكي
تستفيد الخلية من هذه المعلومات، تمر عملية تصنيع البروتينات بعدة مراحل مرتبة
ودقيقة.
المرحلة الأولى: النسخ
تحدث مرحلة النسخ داخل نواة الخلية، وهي الخطوة التي يتم فيها نقل
المعلومات الوراثية من الحمض النووي DNA إلى نسخة
مؤقتة تسمى الحمض النووي الريبوزي الرسول أو
mRNA وفي بداية هذه العملية ينفصل شريطا
الـDNA جزئياً، ثم يرتبط إنزيم خاص
بأحد الشريطين ويبدأ بقراءة القواعد النيتروجينية الموجودة عليه، يقوم الإنزيم بعد
ذلك بتكوين شريط جديد من الـmRNA يحتوي
على المعلومات نفسها تقريباً الموجودة في الجين الأصلي، ويمكن تشبيه هذه المرحلة
بعملية نسخ تعليمات مهمة من كتاب ضخم حتى يتم استخدامها خارج المكتبة دون الحاجة
إلى إخراج الكتاب الأصلي، وبعد الانتهاء من النسخ، يغادر الـmRNA النواة متجهاً إلى السيتوبلازم
حيث تبدأ المرحلة التالية.
المرحلة الثانية: انتقال الـmRNA إلى الريبوسوم
بعد تكوين الـmRNA ينتقل
عبر فتحات خاصة في الغشاء النووي إلى السيتوبلازم، وهناك يرتبط بجسم صغير داخل
الخلية يسمى الريبوسوم، وهو المكان الرئيسي المسؤول عن تصنيع البروتينات.
ويعمل الريبوسوم كأنه جهاز قراءة متطور يفسر الرسائل الوراثية
الموجودة على الـmRNA. وتقرأ المعلومات على شكل
مجموعات مكونة من ثلاث قواعد نيتروجينية تعرف باسم الكودونات، حيث يحدد كل كودون
نوع الحمض الأميني المطلوب إضافته إلى البروتين.
المرحلة الثالثة: الترجمة
تعد مرحلة الترجمة من أكثر المراحل إثارة وتعقيداً داخل الخلية، ففي
هذه المرحلة يبدأ نوع آخر من الحمض النووي الريبوزي يسمى
tRNA بالعمل كناقل للأحماض الأمينية، يحمل
كل جزيء tRNA حمضاً أمينياً محدداً ويتجه به نحو الريبوسوم.
عندما يقرأ الريبوسوم كودوناً معيناً على الـmRNA، يصل إليه جزيء tRNA المناسب الذي
يحمل الحمض الأميني المطلوب، ثم يتم ربط هذا الحمض الأميني بالحمض الأميني السابق
لتكوين سلسلة بروتينية طويلة، وتتكرر هذه العملية بسرعة مذهلة حتى تتكون سلسلة
كاملة من الأحماض الأمينية مرتبة بدقة حسب التعليمات الوراثية.
المرحلة الرابعة: تكوين البروتين النهائي
بعد اكتمال سلسلة الأحماض الأمينية، تبدأ السلسلة البروتينية
بالالتفاف واتخاذ شكلها النهائي، وهذه الخطوة ضرورية جداً لأن شكل البروتين هو
الذي يحدد وظيفته داخل الجسم.
فبعض البروتينات تتحول إلى إنزيمات تساعد على تسريع التفاعلات
الكيميائية، وبعضها يدخل في بناء الأنسجة والخلايا، بينما تعمل بروتينات أخرى في
نقل المواد أو الدفاع عن الجسم ضد الأمراض، وعندما يصل الريبوسوم إلى ما يسمى
كودون التوقف، تنتهي عملية تصنيع البروتين ويصبح جاهزاً لأداء وظيفته.
إن المثير في هذه العملية هو الدقة الهائلة التي تعمل بها الخلية،
فحدوث خطأ بسيط في قراءة الشفرة الوراثية قد يؤدي إلى إنتاج بروتين غير سليم، مما
قد يسبب اضطرابات أو أمراضاً خطيرة، لذلك تمتلك الخلايا أنظمة دقيقة لمراقبة
وتصحيح الأخطاء أثناء تصنيع البروتينات.
وفي الختام فإن ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات تعد من أعظم
العمليات الحيوية داخل الخلية، حيث تتحول المعلومات المخزنة في الجينات إلى مواد
حقيقية تبني الجسم وتحافظ على حياته، وتتم هذه العملية عبر مرحلتين أساسيتين هما
النسخ ثم الترجمة، وكل مرحلة تعتمد على نظام بالغ الدقة والتنظيم، وكلما تعمق
الإنسان في دراسة هذه العمليات، ازداد إدراكه لعظمة الخلق والتعقيد المذهل الذي
تعمل به الخلايا داخل أجسام الكائنات الحية.
المراجع :
بروس ، البرتس وآخرون . ( 2002 ) . من الحمض النووي الريبي إلى
البروتين . موقع ناشونال ليبراي اوف ميديكال . تم الاسترجاع من الرابط
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK26829/